ابن قيم الجوزية

647

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

قال صاحب المنازل : « الطمأنينة : سكون يقوّيه أمن صحيح ، شبيه بالعيان ، وبينها وبين السكينة فرقان » . أحدهما : أن « السكينة » صولة تورث خمود الهيبة أحيانا ، و « الطمأنينة » سكون أمن في استراحة أنس . والثاني : أن « السكينة » تكون نعتا . وتكون حينا بعد حين ، و « الطمأنينة » لا تفارق صاحبها » . « الطمأنينة » موجب السكينة . وأثر من آثارها . وكأنها نهاية السكينة . فقوله « سكون يقويه أمن » أي سكون القلب مع قوة الأمن الصحيح الذي لا يكون أمن غرور . فإن القلب قد يسكن إلى أمن الغرور ، ولكن لا يطمئن به لمفارقة ذلك السكون له . و « الطمأنينة » لا تفارقه ، فإنها مأخوذة من الإقامة ، يقال : اطمأن بالمكان والمنزل : إذا أقام به . وسبب صحة هذا الأمن المقوي للسكون : شبهه بالعيان ، بحيث لا يبقى معه شيء من مجوزات الظنون والأوهام . بل كأن صاحبه يعاين ما يطمئن به ، فيأمن به اضطراب قلبه وقلقه وارتيابه . وأما الفرقان اللذان ذكرهما بينها وبين السكينة ، فحاصل الفرق الأول : أن « السكينة » تصول على الهيبة الحاصلة في القلب . فتخمدها في بعض الأحيان ، فيسكن القلب من انزعاج الهيبة بعض السكون ، وذلك في بعض الأوقات ، فليس حكما دائما مستمرا ، وهذا يكون لأهل « الطمأنينة » دائما ، ويصحبه الأمن والراحة بوجود الأنس ، فإن الاستراحة في « السكينة » قد تكون من الخوف والهيبة فقط ، والاستراحة في منزل « الطمأنينة » تكون مع زيادة أنس ، وذلك فرق مجرد الأمن ، وقدر زائد عليه . حاصل الفرق الثاني : أن « الطمأنينة » ملكة ، ومقام لا يفارق . و « السكينة » تنقسم إلى سكينة هي مقام ونعت لا يزول وإلى سكينة تكون وقتا دون وقت . هذا حاصل كلامه . والذي يظهر لي في الفرق بينهما أمران ، سوى ما ذكر : أحدهما : أن ظفره وفوزه بمطلوبه الذي حصّل له السكينة بمنزلة من واجهه عدو يريد هلاكه ، فهرب منه عدوه ، فسكن روعه . والطمأنينة بمنزلة حصن رآه مفتوحا فدخله ، وأمن فيه ، وتقوى بصاحبه وعدته ، فللقلب ثلاثة أحوال : أحدها : الخوف والاضطراب والقلق من الوارد الذي يزعجه ويقلقه . الثاني : زوال ذلك الوارد الذي يزعجه ويقلقه عنه وعدمه . الثالث : ظفره وفوزه بمطلوبه الذي كان ذلك الوارد حائلا بينه وبينه . وكل منهما يستلزم الآخر ويقارنه . فالطمأنينة تستلزم السكينة ولا تفارقها . وكذلك بالعكس ، لكن استلزام الطمأنينة للسكينة أقوى من استلزام السكينة للطمأنينة . الثاني : أن « الطمأنينة » أعم ، فإنها تكون في العلم والخبر به ، واليقين والظفر بالمعلوم . ولهذا اطمأنت القلوب بالقرآن لما حصل لها الإيمان به ، ومعرفته والهداية به في ظلم الآراء